تمدد جسدها على السرير،تحتسي رشفة من كوب القهوة الذي أعدته للتو،
هاتفها ملقى بجوارها منبعثاً منه صوت لموسيقى "عمر خيرت"،
لا شيء أخر حولها سوى قلم وكثيرٍ من الأوراق المبعثرة ودفتر..
تعتدل في جلستها بعض الشيء وتفتح صفحة عشوائية من هذا الدفتر،
وبين كلمات هذه الصفحة كانت أولى الكلمات التي تقع عليها عيناها هي:
"تكره أي شخص يتحدث إليه سواك،
فقد سلبه منك لبعض الوقت.."
تدقق النظر في التاريخ،
تحاول أن تستعيد تلك الفترة التي كتبت فيها هذه الكلمات،
ولكن بلا جدوى..كل ما تعرفه أنه لم يكن هناك بعد..
فهي تعلم أن المرء يستطيع أن يحكم الأمور جيداً وهو خارجها..
ولكن على الأغلب نجحت في التدوين فقط وفشلت في التعلم..
فلو فعلت لما فعلت ما فعلت..
تلتقت واحدة من الوريقات الممزقة المتناثرة حولها،
على ما يبدو أنها كانت للدفتر ذاته الذي أفلتته منذ لحظات..
قرأت الكلمات المكتوبة بخطٍ مبعثر، ولسبب ما لم تذكره لم تكملها..
"أردتك مخلصاً لي، كما كنت أحاول أن أكون لك، ولكنك"
كانت هذه هي الكلمات فحسب..
ألقت الورقة بعيداً بعد أن قامت بتمزيقها أكثر مما كانت عليه..
واستلقت على السرير مغمضة العينين..
واستسلمت للذكريات..
كانت الذكريات تمضي على هيئة ومضات سريعة في بادئ الأمر..
ثم توقف شريط الذاكرة فجأة عند واحدة بعينها..
"من حقك الاطمئنان علي،
ومن حقك معاتبتي،
ومن حقك توبيخي،
ومن حقك معرفة كل صغيرة وكبيرة عني،
فأنا نفسي ملكك..
هل هذه الحقائق واضحة؟"
تبتسم نصف أبتسامة توشي بكل ما في داخلها من سخرية ..وألم..
تستغرب كيف يمكن أن تحفظ كلماته بهذا الشكل..
حسناً، ربما تقصر في حفظ علامات الترقيم أحياناً ..!
تثبت ذهنها وأفكارها على شيء واحد..
"فأنا نفسي ملكك" .. "ملكك" .. "ملكك"
تردد الكلمة لعددٍ لا بأس به من المرات لمدة ليست بقصيرة..
كأنها تحاول أن تتأكد من أنه قالها لها ذات يوم،
كأنها تحاول أن تعي معني الكلمة بكل ما تحمله من حب وانتماء..
سألها ذات يوم:
"أتدرين ما معنى أن أكون ملكك؟"
مر هذا السؤال بخاطرها وهي تحاول أن تستوعب ما وراء المعنى ..
لم تدرك الإجابة يوماً..
لكن ما كانت واثقة منه فعلاً أن معناها أكبر من أن يستوعبه عقلها..
دائماً ما كانت تشعر بأنها تريد أن تحافظ عليه بالقدر الذي وهب نفسه إياها..
كانت تنتابها رغبة في أن تكون بجواره دائماً لتحميه من كل شيء، حتى من نفسه ومن هواجسه السوداوية..
كانت تريد أن تحتويه..
أن تكون وطنه..
وطنه..
حسناً، ربما نجحت في الأخيرة فعلاً..
تتذكر مفهومه عن الوطن ومشاعره المتقلبة نحوه..
تتذكر رغبته الدائمة في الهجرة الأبدية من هذا البلد..
تتذكر أول وأخر ما قرأت له عن الوطن..
لا فرق..
لن يتغير..
بعد أن أقنعها بحبه للوطن، تجده ينقلب عليه شر انقلاب..!
بعد أن يقرر أن تكون رفعة الوطن غايته ومبتغاه، تجده ينتظر رحلة اللاعودة..!
أترها أصبحت وطنه؟
دوماً ما أمنت بأن:
"لا خير في رجل يكره وطنه" – أثير عبد الله
فلما أمنت به؟
تتذكر كل هذا؛ فتفر دمعة من عينها..
تفكر إن كانت على صواب في السماح له باختراق حياتها منذ البداية..
ثم في السماح له بالبقاء في حياتها رغم كل هذا..
ثم إن كانت على صواب في أن تنهي كل شيء بهذا الشكل البائس ..
فرغم كل شيء فقد اشتاقته كثيراً ..
لم يعد بوسعها معرفة أخباره أو حتى الاطمئنان عليه ..
"بلى، هذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية"
تتمتم هي بصوتٍ متهدج..
وتبث الاشارات لعقلها لتأكيد صحة موقفها..
أخبرها أنه ملكها ولكنه لم يكن يوماً لها..
وعدها أن تعرف كل شيء عنه، ولكنها لم تعرف سوى ما يريدها أن تعرف فقط..
تفكر في كل ما قاله لها..
تحاول أن تستشف الصدق من الكذب في كلماته..
تشعر بتناقض رهيب بين الأقوال والأفعال..
يجتاحها مزيج من الألم والمرارة..
"أحبكِ"
ماذا إن كان هي الأخري كذبة؟
ترعبها الفكرة..
تمسح وجهها الذي غدا مبتلا كأنها غسلته للتو..
تغلق الهاتف..
تغلق الضوء..
ثم تذهب في نومٍ عميق..
