الخميس، 30 يوليو 2015

بيقولك بلد ديمُقراطى..!

        عاوزة أقولوكم إن إحنا شعب ديمُقراطي جداً يا جماعة، وعندنا حرية رأى مش عند حد خالص، وإعلام ما شاء الله من كتر ما هو منّوع وفيه أراء متعددة مبتبقاش عارف تشوف أنهى قناة فبتقفل التليفزيون خالص ..:D

االمواقف دى حصلت معايا أنا شخصياً وده أكبر دليل على مدى حريتنا:

-ألو
-سلام عليكم، مكتبة أدم؟
-أيوة يا فندم
-لو سمحت كنت عاوزة أسأل عن كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، هل متوافر عندكم؟
-بتاع مين يا فندم؟
- أأ..بتاع..ح..حسن البنا
*صمت*
-ألو؟
-لا يا فندم مش موجود
-طب هيجى إمتى؟
-لا، الكتاب دا مبينزلش عندنا ومش هنجيبه
-
Okay .. شكراً
-تيت .. تيت .. تيت
...........................

*مكتبة ألف*
-سلام عليكم
-وعليكم السلام
*بتفرج على الكتب*
-بتدورى على حاجة معينة؟
-أه، كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"؛ موجود؟ .. أمم .. بتاع "حسن البنا" هو؟
*إذبهلال أو صدمة*
-لأ خلصان للأسف
-طب إتأكد طه، يمكن تلاقى نسخة هنا ولا هنا :
D 
*بيدور*
-لأ مش موجود للأسف
-طب موجود فى فرع تانى؟ أو هينزل إمتى -دا إذا كان هينزل أصلا- ؟
*بيضحك*
-لا معتقدش إنه هينزل الفترة دى خالص
-
Okay .. شكراً
-ممكن تشوفى نسخة قديمة عند حد، أو تجيبيه
used بقى
-للدرجة دى الموضوع كبير
O.O ؟
-هنعمل إيه بقى،، أديكى شايفة البلد، وبردو سيبى رقمك 'لو' جه هنكلمك
-ماشى،، شكراً
*كان ذوق بصراحة،، بس طبعاً متصلش :
D*
...........................

*ماشية مع ماما فى الشارع، واحد بتاع كتب على بعد مترين كده*
-ماما بقولك إيه إستنى هنا، هروح أشوف كتاب كده وجاية
-يخربيت الكتب، يا بنتى إنتى مبتزهقيش؟!
-لا مبزهقيش، ثوانى، معتقدش إنى هلاقيه أصلاً بس هجرب
*رحت للراجل*
-لو سمحت كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، موجود؟
*بيستوعب*
-بتاع حسن البنا؟
-إيه؟..أه..أيوه..موجود؟
-أنا فاكر إن كان فيه نسخة هنا..ثوانى.. عاوزة المجلد .. ولا الكتاب؟
- .....
-هو لونه أخضر كدا؟
-مش عارفة بصراحة، هات الموجود ..
*دقيقتين بيدور*
-أهو إتفضلى
*مصدومة ومنكشحة فى نفس ذات الوقت*
-شكراً
*حطيطه فى الشنطة ورحت لماما*
-جيبتى الكتاب إللى إنتى عاوزاه ياختى
-أه يا ماما
-كتاب إيه دا بقى إن شاء الله؟
-إحم .. كتاب يا ماما .. زى أى كتاب يعنى
-وريهونى
-أوريهولك؟.. أه.. طب .. لازم يعنى؟ ..
*بتبرق*
-خلاص خلاص حاضر
*بطلعه من الشنطة*
-أهو
-حسن البنا؟؟! بتاع الإخوان؟!! إنتى إتجننتى يا ندى؟ دا خسارة تدفعى فيه جنيه! إزاى تقرأى للناس دى؟!! دول مجانين!! هما لحسولك عقلك؟! إيه إللـ....
*طبعاً مش هقول أكتر من إن ماما من مؤيدين السيسى درجة أولى، وربنا يبارك في الإعلام*
-يا أمى فى إيه! هو أنا قلتلك إنى أعتنقت الجماعة، لازم الواحد يقرأ ويشوف جميع الأراء، يسمع الرأى والرأى الأخر ويكون رأيه الشخصى، ويشوف الناس دى بتفكر إزاى، مش أسمع عنهم من ناس أصلاً بيكرهوهم!.. وعلى رأى المثل: "إسمع منى ولا تسمع عنى" ..
-الكلام دا لو فى رأى أخر! لو دول ناس بتفهم!! إنما دول شوية إرهابيين عاوزين خراب البلد، دول ... *شوية من كلام الإعلام المصرى بتاعنا* - تم حذف باقى الحديث منعاً لحرقة دم القارئ..:
D
............................

رجعت البيت وسعيدة بالكتاب بقى، قعدت أقرأ فيه فى البلكونة بليل، وسيبته عالكونسول قدام الباب، ودخلت نمت فى هدوء، وإذا بى أستيقظ على هبد ورزع وقنابل نووية ومفرقعات ذرية، خير يا جماعة؟ في إيه؟ وإذا بزيارة غير متوقعة من خالتى العزيزة، وصوتها كان جايب لأوضة نومى:
"إنتوا إزااااى سايبينها كده!! الكتب دى هتاكلها دماغها! مينفعش تسبوها تقرأ الحاجات دى!! يقولوا الناس علينا إيه!! .. بلا بلا بلا"
حسيسيتنى إنى جايبة كتب خليعة لا سمح الله :
D!
عملت نفسي مش واخدة بالى وكملت نوم، صحيت لقيت ماما جت رصيتلى الكلام إللى إتقال، وأنا ودن من طين وودن من عجين، كل إللى قلتهولها إن بابا مقتنع بإللى أنا بعمله وشايف إنى لازم يبقى ليا رؤية وأكون رأيى الشخصى فامحدش ليه حاجة عندى..
المهم إن الكتاب مركون فى المكتبة من ساعتها، لأن ماما بتتعصب أما بتشوفنى ماسكاه ..!
........................................




أسمع كلب معدى من هنا بيقول "بلد ديموقراطي" دى تانى، قال ديمقراطية قال!

هلاوس فيزيائية

فى بعض الأحيان قد يصل بك الأمر إلى إدمان شئ ما، كأن تهذى باسم شخص تحب وأنت نائم، كأن يراوضك شئ تريده بشدة فى أحلامك، كأن يخلب لبك، ويحتل جميع خواطرك، لكن أن تراه فى جميع ما ومن حولك، فأعلم أنه قد تخطى حد الإدمان ودخل فى مرحلة الهلوسة، وأظن أن هذا ما يحدث لى مع الفيزياء ..

كأن آخذ نظرة عابرة فى Goodreads وبدلاً من قراءة الكتب بأسمائها تتحول معى إلى أسماء فيزيائية كرواية بإسم:
 كبرياء وهوى، تحولت معى إلى كهرباء وهواء (Electricity & Air)
وكتاب بعنوان: هم الحقيقة، خيل إلى أنه كم (Quantum) الحقيقة
وبدلاً من كاتب الرعب المرموق (Stephen King): خلته (Stephen Hawking)

وأثناء أحدى جولاتنا بالسبورماركت قرأت كلمة "ذُرة" الخاصة بالفشار على أنها "ذَرْة" -Atom- وكنت عن إقتناع تام بالإسم وسرت أفكر: "إيه إللى جاب الAtom هنا؟"

وفى محادثة ما  بينى وبين إحدى صديقتى، كانت تقص علىّ  إحدى مشكلاتها مع صديقة أخرى قائلة بعصبيةً: هى عملت كذا كذا كذا، فأنا مش عارفة أعمل إيه
قلت لها –مع العلم بأنها تكره الفيزياء-:
According to Newton’s Third Law, For every action a reaction, equal in magnitude and opposite in direction,, فإعملى زيها بالضبط :D
*تم حذف باقى المحادثة لأنها لا تتناسب مع الأداب العامة*
وتقريباً دى كانت أخر مرة تحكيلى على حاجة :D

ومرة كنت أنا وصحابى عاوزين نصوّر ورق، قلتلهم هنصور فين؟ قالولى Volume -دى مكتبة جنب المدرسة عندنا-،
وبدون تفكير قلت لهم:
Mass/Density
المهم إننا قعدنا نلم الورق إللى طار بدل ما نروح نصوره :D

ووإحنا رايحين حتة ومستعجلين وفيه طريقين مثلاً يسألونى هنمشى منين، أقولوهم:
ده Displacement وده Distance، تعالوا Displacement مافيش وقت
المهم إن الوقت ضاع وإحنا واقفين فى مكانّا بنتناقش ده ليه Distance و ده ليه Displacement :D

ومن المواقف إللى مش ممكن تتنسى، مرة كنت فى درس الـBiology والـDr.-هو خريج طب ومعاه دكتوراه- كان بيشرح الدرس بتاع الـHeart، تحديداً جزء الـPericardium -الغشاء إللى حول القلب-، وقال -أو أنا سمعت-:
-الـRefractive Index بتاع الـHeart = Zero,
 so it facilitates its pumping action because.....
*الكلام ده مش مكتوب فى الكتاب ولا الـNotes، هو دايماً بيحب يقول معلومات زيادة، فمكانش فى مرجع أتأكد من المعلومة منه*
المهم، رحت أسأله فى الـبريك عن المعلومة إللى سمعتها دى، وقلتله:
Dr. هو حضرتك قلت إن الـRefractive Index بتاع الPericardium = Zero؟
-أه
-أها، بس إحنا خادنا فى الـPhysics :
إن الـRefractive index = Ratio between velocity of light in space to velocity of light in any other medium, and since that velocity of light in space is greater than any other medium’s velocity, then it must be more than one!, وبعدين إيه علاقة الRefractive index بالـPericardium بتاع الـHeart ? وازاى بيأثر علىit’s pumping action
(رصيتله رصة واحدة لسة قافلة كتاب الفيزياء قبل ما تيجى مش كانت بتاخد فيزياء الترم الأول :D)

*برهة –ليست بقليلة- من الصمت*
-*هستيرية ضحك متواصل*
-إحم، هو أنا قلت حاجة غلط لا سمح الله ؟
-*بيضحك برده*
-طب أمشى أنا طيب :D؟
-*بيضحك*، REFRACTIVE INDEX إيه يخرب عقلك لغبطّينى!
إسمه FRICTION INDEX :D !
بس إنتى مخك نضيف ما شاء الله عليكى، إنتى إسمك إيه ؟

المعنى الحقيقى للإحراج يتلخص بالنسبة لى فى الموقف ده؛ أصل أنا كنت بتكلم بثقة -إللى هو انت غلطان على فكرة :D- معرفش كنت جايباها منين!
المهم إن كان أول تعارف بينى وبين Dr. الـBio، كان بعد شهر من بداية الترم وكان بسبب الفيزياء  وده قمة الإعجاز العلمى :D
ومن ده كتير أوى بقى :D


إللى عاوزة أقوله، إن كل واحد فينا عنده حاجة معينة متأثر بيها -أو مأثرة عليه- وبيلاقى نفسه فيها بطريقة أو بأخرى، يعنى مثلاً واحدة من صحباتى أما ببقى خارجة معاها، بتعد تتأمل اللوحات والرسومات إللى عالحيطة وحتى إللى عالشنط واللبس وممكن إللى عالكوبايات -لو قاعدين فى كافيه- :D، وهى عاوزة فنون جميلة فعلاً، وواحد قريبّى مهندس -وداخلها عن حب-، أما بننزل معاه بيقعد يتأمل المبانى ويقول ده حلو، لا ده متصمم غلط، ده جراجه  صغير، كده .. ناس كتير بتدخل ثانوية عامة وهى مش عارفة هى عاوزة إيه، وبيضطروا يدخلوا الكلية إللى المجموع أجبرهم عليها ، رغم إن ممكن يكونوا لاقيّن نفسهم فى كلية مجموعها أقّل بكتير من إللى هما دخلوّها، وممكن واحد يكون جايب مجموع يدخّله أى حاجة ومش عارف هو مبسوط ولا لأ عشان هو مش عارف هو عاوز إيه أصلاً فا مش فارقة، غير واحد كان حاطط فى دماغه إنه عاوز يكون صحفى مشهور مثلاً، ففرح إن مجموعه جاب إعلام، ماهتمش بما فوقها سواء طب أو هندسة أو سياسة وإقتصاد ..
حط فى دماغك هدف من البداية، لأن هدفك ده عامل زى موتور العربية، هو إللى هيزقك لقدام، مافيش عربية هتشتغل من غير موتور، ومفيش بنى أدم هيذاكر بجد وهو مش حاطط هدف قدام عينيه ..
ولازم تعرف إنك لو دخلت الحاجة إللى بتحبها هتنجح وتتفوق فيها..
زى ما فيه مدير بنك ناجح، فيه طبيب -ودول كتير- فاشل، وده خريج تجارة وده خريج طب، أصلها مش قاعدة، المهم ميولك إيه، شايف حياتك فين، وهتحقق إللى انت عاوزه ازاى..

ودمتم..:)

الأحد، 26 يوليو 2015

إِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا.

        ليس ثمة شئ أصعب من العكوف على جمع حبات الرمال واحدة تلو الأخرى، من كل صحراء حبة، فتهب ريح عاصفة وتنثرها أمامك فى طُرفة عين بعد عناء فى جمعها، كمن قام بقضاء أيام فى تشيد قُصورٍ رمليةٍ على مقربةٍ من الشاطئ، فتمد الموجة طولها إلى أن تمحيها وكأن شيئاً لم يكن..

حدثنى عن شعورك إذا وجدت مجهوداتك وأمآلك تتبعثر أمامك وأنت مكبل اليدين لا حول لك ولا قوة..
حدثنى عن محاسبتك لذاتك فى محاولة فاشلة لإكتشاف ما أقترفته من خطأ ليمحق حلم سهر الليالى..
حدثنى عن تلك الهواجس التى تدور بخلدك ما بين مقط للذات وتوجس وخوف من المستقبل –إن كنت تنوى مسايرة الحياة من الأساس- ..
حدثنى عن ذلك اليأس الذى ينهال عليك بلا شفقة أو رحمة..
حدثنى عن هذا التشاؤم الذى يسود بصيرتك ويتغلل إلى قلبك بلا توقف..
حدثنى عن تلك الصدمة التى تجتاح جوانحك وأنت عاجز أمام القدر ..

أؤمن بقوله تعالى: "إن كل شئ خلقناه بقدر" .. وقوله أيضاً: "إن مع العسر يسراً" .. ولكنّى أشد إيماناً بقوله: "إنّا لا نضيع أجرَ من أحسنِ عملاً".. فكيف يمكن  أن يتساوى من أجتهد وجدّ طالباً للعلا ويسعى إليه بكل قواه، بأخر لم يفعل إلا القليل ولم يكن العلا مُبتغاه؟! وكيف يمكن لعمل خارت قواك أمام ما تكبلته من مشاق لإتمامه على أكمل وجه، ورؤيته فى أفضل مكانة، بأخر لم تُعيره إهتماماً حقاً، واستهنت به خير إستهانة؟!..

من يدرى؟ قد يكون سبحانه مُسخر لك الجزاء فيما هو أجل وأعظم، قد يكون مُدَّخِره فيما هو خيرٌ وأبقى، قد يكون مُؤجله إلى حين تقوم الساعة، أو عساه يمتحن قوة إيمان عبده ومدى صبره على الشدائد.. ولكنه يعد من أصعب الإمتحانات التى يواجهها الإنسان فى حياته.. يخوض خلاله حرب نفسية ضارية، تكون حيالها مشاعره متناقضة، أحاسيسه متضاربة، أفكاره متصارعة، أحلامه مغتالة، أمآله مصروعة، أمانيه معطوبة، ثقته بذاته مزعزعة، مشتتاً بين التبرير والنقد، متقطعاً ما بين سخطه على القدر –معاذ الله- وبين محاولة فى تعزيز إيمانه بالرضا بقضاء الله، متذبذباً ما بين تشاؤمٍ يكفى لهدم عزيمة أمة وبين التمسك ببصيص من الأمل ليجعله قادراً على مواصلة الحياة..


يُذكرنى ما نحن فيه من سوء ظن وضيق أُفق بهذه القصة التى سأرويها عليكم الأن:
 *ذهبت أُم بوليدها للطبيب ليطبب ذراعه المكسور، فسألها الطبيب: "كيف حدث هذا؟" .. أجابت: "أنا من كَسَرته" .. صُدم الطبيب مما سمع ولم يحاول أن يسأل عن مزيدٍ من التفاصيل لكى لا تجرف به هذه الأم المتوحشة إلى الهاوية، فمن يكسر ذراع إبنه يقوى على فعل أى شئ،، وأثناء مداواته لذراع الإبن، جال بخاطره الكثير من التساؤلات والإفتراضات للحادث: "أيمكن أن تكون هناك أم بهذه القسوة؟! كيف تكون منعدمة الحس والرحمة إلى هذا الحد؟! كيف يهون عليها فلذة كبدُها بهذه السهولة؟! وحتى إن أرادت تأديبه على شئ ما، أيصل هذا إلى كسر ذراعه؟! .. والأن هى أتيّه لمعالجة ما أقترفته يداها .. كيف هذا؟!" .. أفاق الطبيب من شروده على صوت خال الأم -الذى حضر للتو- وهو يواسيها قائلاً لها: "حمداّ لله أن الإصابة لم تتخطَ ذراعه، لقد كان بينه وبين الموت أقل من خطوة" .. لم يفهم الطبيب ما مغزى هذه الكلمات ولكنها أثارت فضوله فأراد أن يستفسر عما حدث تفصيلياً على سبيل حب الإستطلاع و إشباع الفضول فسأل الخال: "ماذا حدث بالظبط؟" .. فأجابه: "أثناء عبورهما الطريق، أفلت الولد يد أمه وجرى بإتجاه السيارات وكان هناك سيارة ضخمة على وشك دهسه، فمن شدة خوفها عليه جذبته بقوه -لم تعرف من قبل أنها تمتلكها- من ذراعه، وها هى بقية القصة متجسدة أمامك".. ذُهل الطبيب وندم ندماً شديداً للأفكار السوداوية التى راوضته حيال تلك الأم الطيبة الحانية، التى كان كل مرادها هو حماية إبنها..*
هكذا هى علاقتنا مع الله -عز وجل- .. نحكم فقط على الجزء المرئى أمامنا،  ولا ندرك ما يحمله الله لنا،، كل ما فى الأمر أن يحدث أن تتمنى شئ وتريده بشدة فتسعى جاهداً لتحقيقه، ويخال إليك أن لا خير إلا فيه، لا تفكر فى أبعاده، أو بمعنى أخر لا يترائى إليك غير مزاياه، دون معرفة بقية خباياه، أو إدراك العيوب الكامنة بين ثناياه، وحينما لا يتحقق تتذمر وتسخط وتعترض وتجزع فـ"كيف تصبر على مالم تحط به علماً" –كما قال الخضر لموسى عليه السلام-.. ولو علمت ما حاشه الله عنك أو ما يدبره لك؛ لذرفت عيناك فرحاً..

 يريد أن يُربينا -عز وجل- على الطريقة الألوهية، فعساه وجد قلبك مهموماً بالدنيا فأراد أن يُريك حقيقتها لتزهد فيها وتتطلع إلى الدار الأخرة، أو أنه وجد بالك مشغول بغيره فنغص عليك ما أردت حتى لا يتعلق قلبك بسواه، هناك كثير من الحكم التى يصعب علينا أن ندركها ولكن جميعها تنتهى بنا عند المطاف ذاته وهو الرجوع إلى الله، أو يحدث أن ننحرف عن ذلك المطاف فنسقط فى جرف لا مُنَجى منه غيره تعالى، فمن الأفضل أن تسلك الطريق الذى رسمه لنا الله -عز وجل- منذ البداية ونرجع إلى كنفه وحرزه، ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر والثقة بتدبيره والإيمان بحكمته واليقين فى أن الخيرة فيما أختاره الله والتمسك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن لأصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له." ..


إن الله –عز وجل- عزيز، أى لن يعطيك إلا بعد أن يمتحن صبرك وإلحاحك وسعيك، وحكيم، أى دوماً ما تجد حكمة متوارية وراء منعه عنك ما أردت، وهو أيضاً رحيم، أى يغدقك بحنانه وعطفه ورحمته وأنت فى ذروة بلائك ويأسك، وكفى بالله رفيقاً ووكيلاً .. لن أطيل، فكلماتى كلها تتبخر بجانب قوله تعالى: "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا"، وأحرفى كلها تذوب أمام أيته -جل وعلا-: "ونحن أقرب إليك من حبل الوريد" .. أى قدرٍ من الطمأنينة يغمرك وأنت تسمع هاتين الأيتين؟ أى راحة نفسية تجتاحك أمام قوله -تعالى- "إنك بأعيننا"؟ أى سعادة تتسلل إلى قلبك فى حضرة قوله -سبحانه- "نحن أقرب إليك من حبل الوريد"؟ أى أمل يغدقك حينما تشعر بقرب من هو أرحم عليك من ذاتك إليك؟ أى هم ينزاح عنك حينما تعلم أنك فى حفظ ورعاية من لا هادى سواه ولا مُضل من بعده؟ .. مجرد شعورك بأنه جانبك قادر على أن يصرف عنك اضطراب روحك وشتات عقلك ويضفى إلى نفسك الإستقرار .. أظن أن هذا كافٍ لتتمسك به، وتؤمن بحكمته، وتبتغى مرضاته، وتُيقن برحمته.. فثق بخياراته، فهو خير مدبر لأمورنا، ومنظم لشئوننا، ومخطط لحياتنا .. كل ما عليك أن تؤمن بتدبيره، وهنيئاً لك بمن لا أعظم منه مُدبراً ..