الأحد، 26 يوليو 2015

إِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا.

        ليس ثمة شئ أصعب من العكوف على جمع حبات الرمال واحدة تلو الأخرى، من كل صحراء حبة، فتهب ريح عاصفة وتنثرها أمامك فى طُرفة عين بعد عناء فى جمعها، كمن قام بقضاء أيام فى تشيد قُصورٍ رمليةٍ على مقربةٍ من الشاطئ، فتمد الموجة طولها إلى أن تمحيها وكأن شيئاً لم يكن..

حدثنى عن شعورك إذا وجدت مجهوداتك وأمآلك تتبعثر أمامك وأنت مكبل اليدين لا حول لك ولا قوة..
حدثنى عن محاسبتك لذاتك فى محاولة فاشلة لإكتشاف ما أقترفته من خطأ ليمحق حلم سهر الليالى..
حدثنى عن تلك الهواجس التى تدور بخلدك ما بين مقط للذات وتوجس وخوف من المستقبل –إن كنت تنوى مسايرة الحياة من الأساس- ..
حدثنى عن ذلك اليأس الذى ينهال عليك بلا شفقة أو رحمة..
حدثنى عن هذا التشاؤم الذى يسود بصيرتك ويتغلل إلى قلبك بلا توقف..
حدثنى عن تلك الصدمة التى تجتاح جوانحك وأنت عاجز أمام القدر ..

أؤمن بقوله تعالى: "إن كل شئ خلقناه بقدر" .. وقوله أيضاً: "إن مع العسر يسراً" .. ولكنّى أشد إيماناً بقوله: "إنّا لا نضيع أجرَ من أحسنِ عملاً".. فكيف يمكن  أن يتساوى من أجتهد وجدّ طالباً للعلا ويسعى إليه بكل قواه، بأخر لم يفعل إلا القليل ولم يكن العلا مُبتغاه؟! وكيف يمكن لعمل خارت قواك أمام ما تكبلته من مشاق لإتمامه على أكمل وجه، ورؤيته فى أفضل مكانة، بأخر لم تُعيره إهتماماً حقاً، واستهنت به خير إستهانة؟!..

من يدرى؟ قد يكون سبحانه مُسخر لك الجزاء فيما هو أجل وأعظم، قد يكون مُدَّخِره فيما هو خيرٌ وأبقى، قد يكون مُؤجله إلى حين تقوم الساعة، أو عساه يمتحن قوة إيمان عبده ومدى صبره على الشدائد.. ولكنه يعد من أصعب الإمتحانات التى يواجهها الإنسان فى حياته.. يخوض خلاله حرب نفسية ضارية، تكون حيالها مشاعره متناقضة، أحاسيسه متضاربة، أفكاره متصارعة، أحلامه مغتالة، أمآله مصروعة، أمانيه معطوبة، ثقته بذاته مزعزعة، مشتتاً بين التبرير والنقد، متقطعاً ما بين سخطه على القدر –معاذ الله- وبين محاولة فى تعزيز إيمانه بالرضا بقضاء الله، متذبذباً ما بين تشاؤمٍ يكفى لهدم عزيمة أمة وبين التمسك ببصيص من الأمل ليجعله قادراً على مواصلة الحياة..


يُذكرنى ما نحن فيه من سوء ظن وضيق أُفق بهذه القصة التى سأرويها عليكم الأن:
 *ذهبت أُم بوليدها للطبيب ليطبب ذراعه المكسور، فسألها الطبيب: "كيف حدث هذا؟" .. أجابت: "أنا من كَسَرته" .. صُدم الطبيب مما سمع ولم يحاول أن يسأل عن مزيدٍ من التفاصيل لكى لا تجرف به هذه الأم المتوحشة إلى الهاوية، فمن يكسر ذراع إبنه يقوى على فعل أى شئ،، وأثناء مداواته لذراع الإبن، جال بخاطره الكثير من التساؤلات والإفتراضات للحادث: "أيمكن أن تكون هناك أم بهذه القسوة؟! كيف تكون منعدمة الحس والرحمة إلى هذا الحد؟! كيف يهون عليها فلذة كبدُها بهذه السهولة؟! وحتى إن أرادت تأديبه على شئ ما، أيصل هذا إلى كسر ذراعه؟! .. والأن هى أتيّه لمعالجة ما أقترفته يداها .. كيف هذا؟!" .. أفاق الطبيب من شروده على صوت خال الأم -الذى حضر للتو- وهو يواسيها قائلاً لها: "حمداّ لله أن الإصابة لم تتخطَ ذراعه، لقد كان بينه وبين الموت أقل من خطوة" .. لم يفهم الطبيب ما مغزى هذه الكلمات ولكنها أثارت فضوله فأراد أن يستفسر عما حدث تفصيلياً على سبيل حب الإستطلاع و إشباع الفضول فسأل الخال: "ماذا حدث بالظبط؟" .. فأجابه: "أثناء عبورهما الطريق، أفلت الولد يد أمه وجرى بإتجاه السيارات وكان هناك سيارة ضخمة على وشك دهسه، فمن شدة خوفها عليه جذبته بقوه -لم تعرف من قبل أنها تمتلكها- من ذراعه، وها هى بقية القصة متجسدة أمامك".. ذُهل الطبيب وندم ندماً شديداً للأفكار السوداوية التى راوضته حيال تلك الأم الطيبة الحانية، التى كان كل مرادها هو حماية إبنها..*
هكذا هى علاقتنا مع الله -عز وجل- .. نحكم فقط على الجزء المرئى أمامنا،  ولا ندرك ما يحمله الله لنا،، كل ما فى الأمر أن يحدث أن تتمنى شئ وتريده بشدة فتسعى جاهداً لتحقيقه، ويخال إليك أن لا خير إلا فيه، لا تفكر فى أبعاده، أو بمعنى أخر لا يترائى إليك غير مزاياه، دون معرفة بقية خباياه، أو إدراك العيوب الكامنة بين ثناياه، وحينما لا يتحقق تتذمر وتسخط وتعترض وتجزع فـ"كيف تصبر على مالم تحط به علماً" –كما قال الخضر لموسى عليه السلام-.. ولو علمت ما حاشه الله عنك أو ما يدبره لك؛ لذرفت عيناك فرحاً..

 يريد أن يُربينا -عز وجل- على الطريقة الألوهية، فعساه وجد قلبك مهموماً بالدنيا فأراد أن يُريك حقيقتها لتزهد فيها وتتطلع إلى الدار الأخرة، أو أنه وجد بالك مشغول بغيره فنغص عليك ما أردت حتى لا يتعلق قلبك بسواه، هناك كثير من الحكم التى يصعب علينا أن ندركها ولكن جميعها تنتهى بنا عند المطاف ذاته وهو الرجوع إلى الله، أو يحدث أن ننحرف عن ذلك المطاف فنسقط فى جرف لا مُنَجى منه غيره تعالى، فمن الأفضل أن تسلك الطريق الذى رسمه لنا الله -عز وجل- منذ البداية ونرجع إلى كنفه وحرزه، ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر والثقة بتدبيره والإيمان بحكمته واليقين فى أن الخيرة فيما أختاره الله والتمسك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن لأصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له." ..


إن الله –عز وجل- عزيز، أى لن يعطيك إلا بعد أن يمتحن صبرك وإلحاحك وسعيك، وحكيم، أى دوماً ما تجد حكمة متوارية وراء منعه عنك ما أردت، وهو أيضاً رحيم، أى يغدقك بحنانه وعطفه ورحمته وأنت فى ذروة بلائك ويأسك، وكفى بالله رفيقاً ووكيلاً .. لن أطيل، فكلماتى كلها تتبخر بجانب قوله تعالى: "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا"، وأحرفى كلها تذوب أمام أيته -جل وعلا-: "ونحن أقرب إليك من حبل الوريد" .. أى قدرٍ من الطمأنينة يغمرك وأنت تسمع هاتين الأيتين؟ أى راحة نفسية تجتاحك أمام قوله -تعالى- "إنك بأعيننا"؟ أى سعادة تتسلل إلى قلبك فى حضرة قوله -سبحانه- "نحن أقرب إليك من حبل الوريد"؟ أى أمل يغدقك حينما تشعر بقرب من هو أرحم عليك من ذاتك إليك؟ أى هم ينزاح عنك حينما تعلم أنك فى حفظ ورعاية من لا هادى سواه ولا مُضل من بعده؟ .. مجرد شعورك بأنه جانبك قادر على أن يصرف عنك اضطراب روحك وشتات عقلك ويضفى إلى نفسك الإستقرار .. أظن أن هذا كافٍ لتتمسك به، وتؤمن بحكمته، وتبتغى مرضاته، وتُيقن برحمته.. فثق بخياراته، فهو خير مدبر لأمورنا، ومنظم لشئوننا، ومخطط لحياتنا .. كل ما عليك أن تؤمن بتدبيره، وهنيئاً لك بمن لا أعظم منه مُدبراً ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق