أشفقُ على مُجتمعٍ صارتْ
به الألفاظ البذيئةُ وسيلةَ للتعبيرِ عن الرأى والإقناع بوجهاتِ النظرِ .. أشفقُ
على مُجتمعٍ صارت به الكلماتِ الجارحةِ وسيلةً للفكاهةِ والضحك وملاذاً للعامةِ ..
أشفقُ على مُجتمعٍ اعتُبرت فيه السباب مقياساً للقوة ووسيلةً للدفاعِ عن النفسِ ..
أشفقُ على مُجتمعٍ أصبحت فيه المبادئ والقيمُ فكراً رجعياً .. أشفقُ على مُجتمعٍ
إتُهِمَ فيه أصحابُ الأخلاقِ بضعفِ الشخصيةِ .. أشفقُ على مُجتمعٍ صار فيه كلاً من
الأدبِ والأحترامِ يُمثلان السذاجةَ والهوانَ.
فإن هذا المجتمع أعزائى، يتميزُ بمنتهى الرجعيةِ والتأخر
الفكرى وأصحاب العقول المذبذبة؛ حيث ذكرنى بالفكر
الغربى الذى يقتدى به أفراد ذلك المجتمع النامى، أليس هذا هو الفكر ذاته الذى ينُص
على ان الحجاب رمز للجهل والتخلف والرجعية؟ أهذا هو الفكر الذى تقتَدُون به يا أمة
محمد صلى الله عليه وسلم؟ ألا يفرض الإسلام الحجاب؛ ليصون المرأة ويعزها ويعفها؟!
.. ذلك هو الفكر نفسه الذى أصبحت السباب محور حياة تابعيه .. ذلك هو الفكر الذى
اعتبرتموه مثـلاً يُقتـدى به ظنـاً منكم بأنـه قمـة الفكر ومنتهى الرقـى
وغايـة فى التحضر.
نُحاكى ونَحكى ونُقَلِد ونَقُول، ونفتح الأفواه دون العُقول، فبنينا حائلاً بيننا
وبين النور، حائلاً من الجهل مُحيطاً بجميع الدور، فبالجهل حَوَلنا كل ما هو خِصب
إلى بور ،، فِكرٌ طُمس وأفكارٍ سُلبت، تفعلون ما لا تريدون لأجل فكر رائد تتبعون، تُحَاكُون،
فبـ"ماشيين على الموضة" تُلَقَبون، أهذا أعظمُ ما تبتغون؟!
فِكرٌ هادم تسلل إلى عقولكم مستتراً خلف مفاهيم "التكنولوجيا" و
"النهضة" و "التقدم" و "الإرتقاء" وأشياء من هذا
القبيل، ولكن يحمل فى باطِنه أسوأ القيمِ وأدنى السلوكياتِ وأخبثُ الأخلاقِ، فكيف
سولت لكم أنفسكم بأن تكونوا من أمة سيد الخلق وأشرف المرسلين وقدوة العالمين محمد
صلى الله عليه وسلم وتتبعوا فِكرٌ غير دينكم؟ أو من أمة المسيح عيسى عليه
السلام وتلجأوا لقيم خارجة عن معتقداتكم؟ أو من أمة كليم الله موسى عليه
السلام وتنحنوا لأخلاق مخالفةً لإيماناتِكُم؟ .. أياً كانت معتقداتكم أو
دياناتكم، فالأسس واحدة والقيم ثابتة والمبادئ لا تتجزأ .. فما من دينٍ يحضُ
على إتباع الرذيلة والأخلاق المشينة.
خَلَفَ الله الإنسان فى الأرض ليُعَمرها ويُصلحها وينشر فى أرجائها الصفات
الحميدة؛ فتخيل نفسك خليفة لله على أرضه، فبدون شك ستبذل قصارى جهدك لترتقى بها
ولتجعلها الأفضل مما حولها ،، فإذا سِرنا على تلك الخُطى، واعتبر كلٌ منا
حياته هى أرضه الخاصة التى خَلَفه الله فيها؛ فسيزرعها بأجودِ الثِمار،
وسيرويها بأنقى المياه، وسيرعاها خير رعايةً، فهو يعلم أنه حَاصِدها وهو الذى
سيستمتع بتلك الثمرات الطيبة التى جناها بعد طول انتظار .. فهكذا هى الحياة،
نكسوها بالعمل الصالح، ونُزَينها بالأخلاق الكريمة، ونحليها بالصبر؛ حتى ننال أعظم
الجزاء فى دار الأخرة.
لا ألوم على الشباب، فهم أُناسٌ يبحثون عن التحررِ فى مجتمعٍ سُلبت منه الحرية،
وانتُزعت منه الديموقراطية؛ حاولوا الوصول إلى كلٍ منهما بشتى الطرق المشروعة؛ من
حيث التعبير عن الرأى بحرية واستخدام الحوار المنطقى والعقلى للإقناع بوجهات النظر
المختلفة والكثير من الطُرق المتحضرة ولكن بلا جدوى، فممارسة الديموقراطية صار
أشبه بالمحال وأمنية صعبة المنال، والتى من المُفترض أن تكون أبسط الحقوق التى لا
تشغل البال؛ فكانت هناك الكثير من العوائق التى منعتهم من مُمَارستها، فمنذ أمدٍ
بعيد وعلى مر العصور المختلفة شَهِد مُجتمعنا انحداراً تاماً للديموقراطية، فلا
يتقبل أحد الرأى الأخر، ومن تأخذه الجلالة ويقرر أن يستمع لجميع الأراء؛ ليشكل
رأيه الخاص به، فالويل له! فكيف له بان يرتكب ذلك الجُرم الفاضح ويُمعن النظر فى
بعض الأمور ويُعمل عقله! يجب عليه أن يتبع معتقدات أبائه وأسلافه دون تفكير! ..
هذا هو مجتمعنا .. وبكل تأكيد لم يقبل الشباب تلك العادات البغيضة التى تُجبرهم
على السير على نهجٍ لا حاجة لهم فيه؛ فقرروا البحث بأنفسهم، واللجوء إلى الكتب
والتلفاز والإنترنت فعسى أن يفهموا ما يدور حولهم .. ولكن مع الأسف الشديد، فبعض
الكتب الرائجة هذه الأيام، اتبع كاتِبوها إسلوباً رخيصاً للترويج لكُتُبهم
بإضافةِ بعض الألفاظ الخارجة لتتماشى مع سياق المجتمع! والتلفاز رُفِعَت عنه
الرِقابةُ وأصبحت به السباب مُباحة والقبائح مُصَرحة والقنوات الخارجة مسرحا!
فتوجهوا إلى الإنترنت، فوجدوا ما هو أسوأ وأضل سبيلاً، فلم تعُد السِباب من
القبائح بل أصبحت اسلوباً للتعامل! فما الذى تنتظرونه من شبابٍ مُحاط بالفسادِ من
جميع النواحى.. شباب لا حاجة له غير معرفة ما الذى يدور ببلاده .. شباب قرر أن
يفكر فكممتموه وقيدتموه، ففر إلى وسائل أخرى أجبرته على التَغييِر من صفاته
ليستطيع التأقلُم.
فيا أيها الشباب، إبحثوا عن مكارم الأخلاق بأنفسكم، وتفقهوا فى دينكم، وحرروا
إيمانكم، وإرضوا ربكم، وصفوا أذهانكم، ونقوا قلوبكم، ولا تعتبروا حدود الدين
حائلاً بينكم وبين الحرية، إطلاقاً! فتلك الحدود مُهيَأة لتُيسر لكم ممارسة الحرية
برضا النفس وراحة البال .
أتعلمون، فبالرغم من إختلافى الشديد مع الفكر الغربى، فهناك ما يُستَحَق الإعجاب
به فى ذلك الفكر، فنحن لا ننتقد الرأى الأخر بأكمله، بل ننتقد نقاط رفضناها لأسباب
تتعارض مع قيمنا ومبادئنا .. لن أتحدث عن الجانب العلمى فهو أمرٌ مفروغ منه ولكن
سأتحدث عن كيفية الارتقاء الجانب الأخلاقى هناك، فعلى سبيل المثال، تقدمت البرازيل
بطريقة لتخفيف عقوبة المساجين عن طريق خصم أربعة أيام من مدة العقوبة (مدةً أقصاها
48 يوما من كل عام) من خلال كل كتاب يقرأونه ويكتبون مقالاً عنه، فهم يبحثون عن
إصلاح الإنسان وليس تدميره؛ عن طريق الإتاحة للملل بالتدخل فيختلط مُختَلَف
المُجرمون ذوو التهم المتعددة، فيزدهر الحَدْثُ الإجرامى لديهم،، ومع الأسف هذا ما
يعانى منه مجتمعنا.
وفى نهايه رحلتى فى البحث عن القيم الضائعة، أود ان أختم كلامتى بحديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "إنى بُعِثْتُ لإُتَممَ مَكَارمَ الأخلاقِ"، فلعلكم
تتعظون وتُدركون أهمية الأخلاق وفوقيتها على كل شئ.









