لا تلبث كثيراَ فى وضع كل كراكيب الذكريات فى حجرة بعيدة
فى أقصى أركان الذاكرة وتغلق بابها الذى كان يؤرقك بجميع الأقفال التى تمتلكها،
وتضع أمامه تلالاً من الأوزان الثقيلة، ظناً منك فى أنك هكذا تكون قادراً على
إحكام إغلاقه.. ثم تجد من يقتحمه عنوة بكل ما أوتى من قوة بغتة واحدة دون أدنى
مقدمات، فتُجبر على العودة لتلك الحجرة ثانية لإخراجه منها، فتجد نفسك عالقاَ بين
أرجائها تتخبط فى ذكرياتها المركونة واحدة تلو الأخرى رغماَ عنك، ينقضوا عليك
انقضاض الأسد الجائع الذي عثر على فريسته للتو، تصرخ فيهم "أتركونى!"؛ فيزدادوا
التصاقاً بك ..تحاول الفرار من بينهم دون جدوى..
فتحتسى
فنجاناً من القهوة الداكنة مرة المذاق عسى أن تغلب مرارتها على تلك الذكريات التى تسم بدنك،
تستمع إلى موسيقى سريعة الرتم وترفع مستوى الصوت ظناً منك أنها قادرة على صم أفكارك كما
تصم أذنك، تأخذ حماماً بارداً أملاً فى أن يُخمد ذلك البركان المشتعل فى
رأسك، ثم تجد أن هذا كله لا يجدى، فتحاول الفرار إلى كتابٍ كما هو الحال دائماً،
فتشعر أن كل كلمة به موجهة إليك، وأصابع الاتهام كلها مشيرة نحوك، فتغلق الكتاب
سريعاً، هرباً منه هو الأخر، لا تعلم كيف السبيل، تتكوم على ذاتك وتبكى، فيخيل
إليك أن كل دمعة ساقطة تمحى ذكرى فى طريقها، ثم تدرك بعد ساعات بأنه إن كانت هذه
حقيقة لكنت قد أصبت بفقدان ذاكرة منذ زمن..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق