"لا
أعلم ما هذا البُرود الذى أعترانا

لا أعلم ما هذا الجفاء الذى أصابنا،
لا أعلم ما هذه اللامبالاه التى غمرت قلوبنا،
لا أعلم لم كُتِب الفُراقُ على أقدارنا،
كل ما أعلمه أن هذا حدثَ رغماً عنا،
فكم أشتقتُ لحديثنا الذى لم ينتهِ إلا بنعاس أحدنا،

كم أشتقتُ لأفعال لم تعد فى مستطاعنا،
كم أشتقتُ لعاداتٍ وأمالٍ لم تعد ملكنا،
مجرد "ذكريات" تبقت بمحاذاتنا؛
تزين لنا ما تبقى من حطام الحياة،
وتصعب علينا النسيان والنجاة،
فنبتسم حينما تطرأ المداعبات رؤوسنا،
ونتألم حينما تنقض المباعدات على أفكارنا،
ونندم حينما نتذكر ما أقترفناه لقطع حبال وصالنا.."
هنا جاء صوت الست أم كلثوم من المذياع الواقف على المنضدة المستديرة الراقدة بجانب الشفُنيرة لتوقف هذا السيل المتدفق من الأفكار بصوتها المدوٍ وكلمالتها الأخِّذة: "تفيد
بإيه يا ندم يا ندم يا ندم .. وتعمل إيه يا عتاب" .. نعم، إنها على حق، فإن
الندم لا يجدى والزمان لا يعود، فخير لنا أن نتعلم مما عاصرناه عوضاً عن هذا
التساؤل والبكاء والنحيب والإعياء ..
أنتشلتنى أمى من بركة
الأحزان التى كانت على وشك إبتلاعى مناديةً إياى: "حلاااا.."
فذهبت إليها مهرولةً لأعرف مرادها، فقالت: "عيبٌ عليك أن
تُفضلى الإستماع لتلك التفاهات عن إستذكار دروسك فمستقبلك أهم شئ!".
لا
أظن أنى ورثت عن أمى شئ عدا عشق الصوت الكُلثومى، ولكن برغم حب أمى الشديد لها،
إلا أن مستقبل أبنائها له الأولوية الكُبرى التى لا يُضاهيها شئ، حاولت أن أشرح لها
مراراً أن سماعى لأغانى الست "أم كلثوم" فى الوقت الذى آخذ فيه قسطاً من
الراحة، يجعلنى بحال أفضل، أقوى به على الإستيعاب أكثر أثناء إستذكارى، لكن أبدا
لم تقتنع؛ فذهبت إلى غرفتى دون مجادلة، فعلى أى حال، لم أكن بمزاج جيد يصلح للجدال.
ظننت
أنّنى سأنهمك فى الإستذكار، وأعتقدت أن الكُتب ستُنسينى مرارة القرار، ولكنى كنت
متوهمة، فتحاوطنى الكتب والأوراق من جميع الزوايا، تخبئ لى بقايا ذكريات بين
الثنايا،، قرأت كثيرا عن الفراق ولوعته وسمعت بالنسيان وحرقته، ولكن دائما ما كنت
أشعر أن الموسيقيون يعتبرون "الهجر" عوداً يعزفون على أوتاره أبدع
الأنغام، والشعراء ينسجون من أوجاعه أبهر الكلام، والأدباء يبالغون فى تعداد
الخسائر والمآسى والآلام،، ولكن صدق من قال: "لن تشعر بمأساة غيرك حتى تجد
نفسك مكانه"، فأدركت مؤخراً أنّنى كُنت واهيةَ، وأن جميع ما وُصِفَ به
الفراقُ فى كتبِ العشقِ ليس إلا صفحة خاوية، فمِن المستحيل أن تصف غدير المشاعر
بحروفٍ منهكة بالية.
فى
ذلك الحين دق هاتفى لينتزعنى من شرودى، "لعله هو المتصل؟" كان أول ما
خطر بالبال من سؤال، ففى الحقيقة، إن أصعب ما فى الفراق هو داء الإشتياق، فعساه
شاقنى؟ أيكون تنازل عن معتقداته وأثّرنى؟ .. انتشرت مسرعة باحثة عن الجوال، خشية
من إحتمال إنقطاع الإرسال، وحين عثرت عليه، كانت صديقتى "نور" هى
المُتصلة، فأجبتُ بنبرةِ مكسوحةً بخيبةِ جاهدةً قدر المستطاع لسترها، ولكن صديقة
العُمر تُميز رفات الألم فى صوتك مهما حاولت إخفاؤها:
’كيف حالك "نور"؟‘
سألت
متجاهلةً سؤالى:
’أهناك جديد؟‘
حاولت
أن أدعى البلاهة، عازمة على إظهار عدم الإكتراث وقلة النباهة:
’جديد؟ أى جديد؟ أتعنين المذاكرة؟‘
أجابتنى
بنبرة تشى بالاغتياظ:
’بل أعنى "فارس"!‘
أجبتها
بإقتضاب:
’أنتهى الأمر‘
وأكملتُ
جاهدة لتغَير مجرى الحوار:
’’أخبرينى، كيف كان يومك؟‘
قالت بنفاذ صبر:
‘لا يمكن أن ينتهى كل شئ بهذه الطريقة!، أتنتهين منه بهذه السهولة؟!’
"لا" وألف "لا" كانت تجول بخاطرى ولكنّى أجبتها بشئٍ من المكابرة:
‘هو لن يقلع عن تلك المعتقدات التى ملأت رأسه فى الأونة الأخيرة ، وكما تعلمين محال أن يقبل أبى به زوج لإبنته، فلن أستطيع أن أعيش مهددة ما بين نارين طوال العُمر .. وقد أتخذت قرارى ولست نادمة’ -قلت الجملة الأخيرة فى محاولةً لإقناع الذات بما يجب أن يكون.-
قالت "نور" بإنفعال:
"يا الله! حتى فى الزواج تنحشر السياسة! لماذا نُدخلها فى شَتى جوانب الحياة ونحن نعلم -علم اليقين- أن إقترانها بشئ يخرّبه؟! أسينصرنا هذا أو ذاك حينما ننحاز لإحداهما! وحتى لو إنحزنا! أين حرية الرأى إذن؟؟"
لم أنبث بكلمة فقد إستعر حلقى من حرارة الكلمات، وتشوشت لدى الرؤية إلى حد الإنعدام من كثرة الدموع التى تكاثفت بحدقتاى..
بعد مرور لحظات ثقيلة من الصمت لم يتخللها سوى أنفاس متقطعة ونحيب مكتوم، إسترسلت "نور" فى محاولة للتخفيف من وطأة الموقف قائلة:
"حلا، أنت تعلمين مدى حب فارس لكِ وتعلقه بكِ، وتعلمين أيضاً كم يحبك والدكِ،، لذا تحدثى إلى كليهما لتصلى لحلاً، أخبرى والدك بأن هناك شاباً راغباً فى طلب يديك وأخبريه بشئ من التفاصيل، ثم أخبرى فارس بأن يعدل قليلاً عن فكره"..
أجبتها بصوت منخفض كأنه يحاول الخروج متسللاً بين حبال الصوت جاهداً فى عدم مس إحداها:
"لقد فات الأوان، أنت تعلمين كيف كانت مكالمتى الأخيرة مع "فارس"، إضافة إلى أننا لم نكن نتحدث كثيراً فى الأونة الأخيرة فدائماً يخلد إلى النوم بعد عودته منهكاً من ذلك الإعتصام غير أنه عادة ما يبَّت فى الخيمة هناك من الأحد إلى الخميس ثم يعود يومى الجمعة والسبت ليطمئن على أمه وذويه وإن حدث وتحدثنا فإن كلامنا يكون متوتراً مقتضباً على غير عادتنا"
قالت نور بإصرار وتعجب:
"محاولة أخيرة لن تضر -إن كنت حاولت مرة أولى من الأساس- وقد لمح لخطبتك كثيراً، ثم تقدم رسمياً فى تلك المكالمة المشؤومة التى جمعتى بها كل قواك لإحباطه.. فأنت حتى لم تكلفى خاطرك وتبادرى بإخبار والدك"
صمتت مُفكرة لوهلة ثم قالت مكملة: "أنتظرى لحظة، وماذا عن عيد ميلاده الذى هو فى الرابع عشر من أغسطس أى بعد غد؟ ماذا عن كل التحضيرات –لهذا اليوم- التى لم يشغلك شاغل سواها فى الفترة الأخيرة؟!"
لم أعرف كيفما أُجيب، فقد كانت على حق بشأن كل ما قالت، فكيف أدعى عدم الإهتمام وأنا لا يشغل بالى سواه، كيف أزعم أنّى نسيته وعدُلت عن هواه،، قلت مُنهية الكلام مُتغاضية عن الرد على الجزء الأخير:
"حسناً نور، سأحاول على أى حال"
أغلقت معها هاتفياً ولكنّى مازلت أستمع إلى كلماتها تتردد إلى عقلى مُحدِثةً دَوياً، أتصلت لتواجهنى بالحقيقة التى كنت أتحاشى التَطَرُقَ إليها حتى بينى وبين ذاتى وكأنها لا تمثلنى.. ولكنها الأن جليّة أمامى، معلنةّ أن الفاصل بينى وبين السعادة والشقاء ما هو إلا قرار.. وحدى المسؤولة عنه ووحدى المُتحملة لنتائجه .. وأنا منهمكة فى هذه الأفكار سمعت المفتاح يُولَج، كان هذا أبى بلا شك، فهذا ميعاد عودته المُعتاد من الداخلية، ألقَيتُ عليه السلام ثم أنتظرت ما يقرب الساعة لأستجمع شجاعتى، وأتخذ خُطوة مفاتحته فى الموضوع، ودار بيننا الحوار الأتى:
-أبى.. هناك شاب يرغب فى التقدم لخطبتى..
-مرفوض!
*لم أنبس ببنت شفة، وعيناى كانتا على وشك أن تُقطلعا من محجريهما من هول الصدمة*
-أتظنين أنّى لا أعلم من يحول حول إبنتى؟؟ أتعلمين ماذا أنتِ فاعلة بنفسك وبنا بمعرفتك لهذا الخائن الحقير؟! أنا ستُدَنَس سمعتى لقبولى بدخول مثل هذا الإرهابى العائلة، وأنت –بغض النظر عن سوء السمعة- سيلحق بكِ قدرٌ من المهانةِ والمذلةِ لم تعريفي مِثليهُما بحياتك! .. إنه مخطط يا "حلا"! يتزوج من أبنة اللواء المعروف "سيف الدين شكرى" ليبُث تلك القناعات المُسممة إلى عقلك ويُقال أبنة اللواء ترفض الظلم وتثور ضد النظام! ولكن هيهات!!
-ولكن يا أبـ..
-لا يوجد "لكن"! أنتهى الأمر!! حلا، أنت مازلتِ صغيرة ولا تفهمين الكثير فى هذه الأمور.. مازال أمامك الكثير من الوقت لتفرقى بين الصالح والطالح، فلازلتى تنخدعى بالمظاهر الطيبة والكلمات الودودة.. هيا كفكفى دموعك وأنسى مثل هذا الأمر، ولا أريد أن أسمعك تنطقين بإسمه مجدداً، إتفقنا؟
*كان الصمت سيد الموقف، ودموعى أَمَّةِ عند هذا السيد*
ودون أن أنبث بكلمة.. ذهبت مهرولة إلى غرفتى أبكى حالى، وأُرثى سعادتى.. لم أرغب فى الرد على تلك الـ"أتفقنا" لأننا لم ولن نتفق، بالإضافة إلى أنّى -فى أعماقى- أشترك مع "فارس" فى قناعاته وتوجهاته وإن لم أخبره أو أخبر والدى أو حتى "نور".. فكيف ينعته بالـ"خائن" بهذه السهولة؟! أأصبح اختلاف الرأى الخيانة وحقارة؟! أصارت المطالبة بالحقوق إرهاب؟!!
ظلت هذه الأسئلة اللامجابة مسيطرة على فكرى إلى أن غلبنى النوم..
فى صباح اليوم التالى، أى قبل عيد ميلاده بيوم، قررت –بعد طول تفكير وتأنيب ضمير؛ لتجاهل كلام الوالد- أن أذهب إلى "فارس" فى صباح الغد، إلى الميدان –إن لزم الأمر- لسببين، لأحتفل معه –فحقاً يشقُ على ألا أكون بجانبه فى يوم ميلاده- ولأطلعه على ما دار بينّى وبين والدى –دون التطرق إلى نقطة الخيانة والإرهاب هذه- عساه يجد حلاً.. كانت مجازفة كبيرة ولكنها من أجل من يستحق .. أطلّعت "نور" على قرارى وطلبت منها أن تأتى معى، كانت مذهولة من التحول الذى طرأ علىّ ولكنها وافقت -رغم تزعزع الأمن فى البلاد فى مثل هذه الفترة- .. كانت "نور" لا تبعد عن مسكنى كثيراً، فأخبرت أمى أنى ذاهبة إليها لنستذكر –كما يحدث بطبيعة الحال-، وذهبت إليها فور أن أسدلت الشمس أولى خيوطها .. ثم ذهبنا إلى هناك وطلبت من "نور" أن تذهب لإحضار متطلبات الإحتفال ثم تلحق بى..
كان ذلك يوم الأربعاء وأعلم أنه يبَّت هناك فى هذا اليوم.. هل سيكون سعيداً بتلك المفاجأة؟ أيُمكن أن ينسى كلامى الجارح حقاً؟ .. كان هذا ما يدور بخلدى فى الطريق إلى أن وصلت إلى هناك، كنت أعرف فى أى خيمة أجده فقد حدثنى طويلاً عنها، ظللت أنظر إليه إلى أن أستيقظ على صوت الرصاص الذى يحُف بالمكان، كان خفقان قلبنا أقوى من دَوَىِّ الرصاص حولنا، ظللنا ننظر إلى بعضنا البعض فيما بين العشق والذعر، الإشتياق والصدمة، إزداد الدوى حتى أدركنا أن النهاية حتمية، ضمنى –ولأول مرة- فى محاولة لحمايتى من وابل الطلقات التى تتصارع لإختراق الخيمة.. إلى أن أُصُيب كلانا -برصاصٍ حى-.. ثم بدأت الأصوات تَخفُت من حولنا والرؤية تُمحى تدريجياً، وكانت أخر جملة قد تَسللت إلى أُذنى -من خارج الخيمة- قبل أن يخبو كل شئ:
"سيف باشا، تم تنفيذ المهمة بنجاح" ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق